السيد محمد تقي المدرسي

486

من هدى القرآن

سألتهم من خالقكم ومالككم - وما تحويه هذه السماوات والأرضون - ومن بيده الحاكمية العليا ؟ إنه الله حيث يقول : إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [ الأنعام : 57 ] . والذي عنده القدرة التنفيذية المطلقة في الكون الواسع ، لا يملك الإنسان أمامه إلا التسليم والخضوع . [ 85 ] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إذن فلماذا يحجزكم حجاب الغفلة عن هذا الرب العظيم ، الذي يملك الأرض ومن فيها ؟ ! وهذه الكلمة لا تختص بالآخرين ، بل بنا جميعاً ، لأننا لا نزال نخلد إلى أرض الغفلة ، وقد نتذكر ما دمنا في أجواء التذكرة ، ولكن عندما تواجهنا شهوة أو يصادفنا غضب أين يصبح ذكر الله ؟ ! . حينها تلتجئ النفس البشرية في خلق الأعذار والتبريرات لتلقي عن كاهلها تبعة المسؤولية ، ولذلك جعل الله سبحانه ذكره مستحباً شرعاً ، وجعل من ذكره - من المؤمنين - حين قال : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 191 ] . ففي جميع الحالات المادية ، والظروف النفسية ، يجعل الله ذكره ضرورياً . ونسأل : ما هو الذكر الذي تعنيه الآيات ؟ إن الذكر هو تذكر الله حين تهم بالمعصية ، أو تشرع في ارتكاب الخطيئة . حينما تجد من يعاتبك داخل وجدانك على ما تفعل ، فلابد أن تذكر الله لتحسم صراع النفس لصالحها ، أما حين تفقد الذكر يموت الوجدان ، وينتهي الإحساس ، فتميل الكفة لصالح الإرادة الشريرة في نفس الإنسان . [ 86 ] قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الله رب السماوات السبع ، لأنه خلقها ، وأكمل خلقها ، طوراً فطوراً ، وأجرى الخلق كما الطفل عندما ينمو ، ويكبر ، فهو الذي خلقها ، وهو المسيطر عليها ، والمهيمن الذي يجري عليها سلطانه ، وقوانينه ، وأنظمته ، والعرش يعني : السلطة الفعلية على الكون ، وبهذا التساؤل تكمل مسيرة الاستدلال المنطقية على وجود الله مخاطباً بها العقل البشري ، والفطرة الإنسانية . [ 87 ] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ يجب أن يخشى الإنسان من بيده السلطة ، فلماذا لا تخلع حجب التحدي والعناد والتكبر ؟ ! ، والخشية هي الحجاب الفاصل بين التقوى والانحراف ، والإيمان والكفر . [ 88 ] قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ الملكوت مبالغة في الملك ، كما الجبروت مبالغة في التجبر ، والطاغوت مبالغة في الطغيان ، وملك الله يشمل ما يظهر وما يخفى ، لا كسائر